محمد بن عبد الله ( ابن مالك )

110

شرح الكافية الشافية

--> - فالظاهر : أنها المخففة ، وشذّ عدم الفصل ، ويحتمل أن تكون الناصبة شذّ وقوعها بعد العلم وشذّ إهمالها ، ففي الأول شذوذ واحد وهو عدم الفصل ، وفي الثاني شذوذان : وقوع الناصبة بعد العلم ، وإهمالها حملا على " ما " أختها . وجاء هنا على الواجب . عند بعضهم . أو الأحسن . عند آخرين . وهو الفصل بين " أن " الخفيفة وبين خبرها إذا كان جملة فعلية منصرفة غير دعاء ، والفاصل : إمّا نفى كهذه الآية ، وإمّا حرف تنفيس كقوله تعالى : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى ، ومثله : " علمت أن سوف تقوم " وإمّا " قد " كقوله تعالى : نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وإمّا " لو " . وهي غريبة . كقوله : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا ، أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ وتحرّزت بالفعلية من الاسمية ؛ فإنها لا تحتاج إلى فاصل ، كقوله تعالى : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكقوله : في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كلّ من يحفى وينتعل وبالمتصرفة من غير المتصرفة فإنه لا تحتاج إلى فاصل ، كقوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ، وأن عسى أن يكون ، وبغير دعاء من الواقعة دعاء كقوله تعالى : أن غضب الله في قراءة نافع . ومن نصب " تكون " ف " أن " عنده هي : الناصبة للمضارع دخلت على فعل منفى ب " لا " ، و " لا " لا يمنع أن يعمل ما بعدها فيما قبلها من ناصب ولا جازم ولا جار ، فالناصب كهذه الآية ، والجازم كقوله تعالى : إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ ، إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ، والجارّ نحو : " جئت بلا زاد " . و " حسب " هنا على بابها من الظن ، فالناصبة لا تقع بعد علم ، كما أنّ المخففة لا تقع بعد غيره ، وقد شذّ وقوع الناصبة بعد يقين وهو نصّ فيه كقوله : نرضى عن النّاس أنّ الناس قد علموا * أن لا يدانينا من خلقه بشر وليس لقائل أن يقول : العلم هنا بمعنى الظن ؛ إذ لا ضرورة تدعو إليه ، والأكثر بعد أفعال الشكّ النصب ب " أن " ؛ ولذلك أجمع على النصب في قوله تعالى : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا وأمّا قوله تعالى : أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فالجمهور على الرفع ؛ لأن الرؤية تقع على العلم . والحاصل : أنه متى وقعت بعد علم وجب أن تكون المخففة ، وإذا وقعت بعد ما ليس بعلم ولا شك وجب أن تكون الناصبة ، وإن وقعت بعد فعل يحتمل اليقين والشك جاز فيها وجهان باعتبارين : إن جعلناه يقينا جعلناها المخففة ورفعنا ما بعدها ، وإن جعلناه شكّا جعلناها الناصبة ونصبنا ما بعدها ، والآية الكريمة من هذا الباب ، وكذلك قوله تعالى : أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ ، وقوله : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ، لكن لم يقرأ في الأولى إلا بالرفع ، ولا في الثانية إلا بالنصب ؛ لأن القراءة سنة متبعة . وهذا تحرير العبارة فيها ، وإنما قلت ذلك ؛ لأن بعضهم يقول : يجوز فيها بعد أفعال الشك وجهان ، فيوهم هذا أنه يجوز فيها أن تكون المخففة والفعل قبلها باق على معناه من الشك ، لكن يريد ما ذكرته لك من الصلاحية اللفظية بالاعتبارين المتقدمين ؛ ولهذا قال الزمخشري : " فإن قلت : كيف دخل فعل الحسبان على " أن " التي هي للتحقيق ؟ قلت : نزّل حسبانهم ؛ لقوته في صدورهم - منزلة العلم " والسبب -